"تطمينات" مقابل أسعار مرشّحة للاشتعال: سلّة الصيام تحت المجهر -- Feb 09 , 2026 25
«هلّق عم نجيب كل الحشايش بمية، بكرا برمضان بتصير ضمّة البقدونس لحالها بمية». تختصر هذه العبارة التي وردت على لسان سائق تاكسي، ببساطتها القاسية، التجربة المتكرّرة للمستهلك مع الأسعار في شهر رمضان.
فمع اقتراب شهر الصيام، تعود المخاوف نفسها إلى الواجهة: غلاء المواد الغذائية مقابل وعود بالرقابة. أما الخطّة التي يحضّر لها للرقابة على الأسواق من جهة وزارة الاقتصاد، فهي، وفقاً للتجارب السابقة، لا تبعث الطمأنينة، إذ تبدو أقرب إلى إعلان نوايا منها إلى ضمانة فعلية، خصوصاً أنّ رمضان دائماً ما شكل موسماً لتوسيع هوامش الربح. فما بات واضحاً، أن التجّار يمهّدون الطريق لرفع الأسعار، ولا سيّما الدجاج واللحوم، تحت ذرائع جاهزة تتقدّمها «أمراض الدواجن والأبقار».فهل سيكون رمضان هذه السنة محطة لكبح الأسعار، أم إعادة إنتاج للسيناريو المعتاد حيث تُترك الأسواق لمنطق الفوضى والهوامش المفتوحة مع الاكتفاء بإجراءات شكلية؟
السباق بين الرقابة وزيادة الأسعار لم يعد تنافسياً. فالتجّار يربحون دائماً. وهم يقدّمون أعمالهم على شكل نوايا حسنة تبدأ بإظهار الانصياع التام لوزارة الاقتصاد وحملاتها عليهم. وهذا ما يحصل اليوم تحديداً، إذ علمت «الأخبار» أنّ وزارة الاقتصاد تُحضر لحملة بالتعاون مع نقابة أصحاب السوبرماركت ونقابة مستوردي المواد الغذائية، بهدف الحفاظ على «استقرار» أسعار السلّة الغذائية، ولا سيّما في ظل تزامن شهر رمضان مع بداية الصوم الكبير لدى الطوائف المسيحية، ما يرفع حساسية ملف الأسعار ويوسّع شريحة المتأثرين بأي زيادة محتملة، وعلى امتداد مختلف المناطق.
بالفعل، بدأ الأمر. يقول الرئيس التنفيذي لشركة «المخازن» وضّاح شحادة إنّ التحضيرات الاستهلاكية بدأت مع تسجيل إقبال على تكوين السلّة الغذائية الخاصة برمضان، ولا سيّما السلع الأساسية كالأرز والسكر والزيت والحليب. ويؤكّد أنّ وزارة الاقتصاد تتابع تطور الأسعار عبر تنسيق مباشر مع المتاجر الكبرى والحصول على لوائح الأسعار، إضافة إلى التواصل مع المستوردين والتجار للحد من أي زيادات غير مبررة. ويبدي شحادة تفاؤلاً، معتبراً أنّ «هالسنة غير» لناحية الأسعار، ولا سيّما في ما يتعلّق بالدجاج واللحوم التي شهدت في مواسم سابقة ارتفاعات «هستيرية». ويعزو ذلك إلى توافر كميات كبيرة من اللحوم المستوردة، إضافة إلى تغيّر أنماط الاستهلاك بفعل تراجع القدرة الشرائية.
أيضاً يؤكّد مالك سوبرماركت «العامليّة» يوسف حمود أنّ وزارة الاقتصاد تكثّف التنسيق في هذه المرحلة، مشيراً إلى العمل على خفض يشمل نحو 100 سلعة غذائية بنسب تُراوح بين 5% و10%. إلّا أنّ حمود يذكّر بتجربة العام الماضي، حين شهدت الأسواق قبل أيام قليلة من حلول رمضان قفزة مفاجئة في الأسعار وصلت في بعض الحالات إلى الضعف، ما يفرض، في رأيه، تشديد الرقابة الاستباقية لا الاكتفاء بالعروض المرحلية.
أما في ما يتعلّق بسوق الدجاج، يلفت حمود إلى تصاعد خطاب «استباقي» لدى بعض التجّار يربط أي زيادة محتملة بانتشار أمراض تصيب الدواجن، في حين يؤكّد أنّ الخضار المعروضة في الأسواق هي بالكامل من الإنتاج المحلي. غير أنّ الواقع اللبناني أثبت مراراً أنّ الإنتاج المحلي لم يكن يوماً عائقاً أمام ارتفاع الأسعار، حين يغيب الضبط وتُترك الأسواق لمعادلات غير شفافة.
في السياق نفسه، يلفت رئيس نقابة تجّار ومعلمي الخضار والفاكهة في النبطية جهاد دقدوق إلى أنّ الجنوب يكاد يكون خارج دورة الإنتاج الزراعي حالياً نتيجة الأوضاع الأمنية والحرب، ما يعني غياب الزراعات الموسمية، باستثناء الحمضيات. ويؤكد أنّ معظم الخضار الموجودة في السوبرماركت تتدفّق عبر أسواق طرابلس وعكّار.
وبحسب تقديره، من المتوقّع أن تشهد الأسعار ارتفاعاً يُراوح بين 20% و30% خلال اليومين اللذين يسبقان حلول رمضان وفي أيامه الأولى. إلا أنّه يرجح انخفاض الأسعار لاحقاً في ظل تراجع القدرة الشرائية وغياب الطلب الكثيف الذي كان يميّز مواسم رمضان السابقة. ويرى أنّ الحلّ الأجدى في حال تسجيل ارتفاعات غير مبرّرة يبقى في فتح باب الاستيراد للأصناف المطلوبة، منعاً للاحتكار وضبطاً لأي غلاء غير منطقي.
ويشير رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية هاني بحصلي إلى أنّ حملة وزارة الاقتصاد مرحّب بها بالكامل، لافتاً إلى أنّ العروض الرمضانية تنظّم أساساً من قبل التجّار كل عام، ولا سيّما على السلع الاستهلاكية الأساسية. ويشير إلى أنّ غالبية الأصناف التي يزداد استهلاكها خلال شهر رمضان هي أصناف طازجة لا ترتبط بعمليات الاستيراد، ما ينفي مقولة تحقيق أرباح استثنائية عبر تخزين البضائع أو تأخيرها عمداً. ويقرّ بحصول حالات احتكار محدودة أحياناً، إلّا أنّه يشدّد على أنّ العامل الحاسم في تحديد الأسعار يبقى ديناميكية العرض والطلب، معتبراً أنّه في الأصل لا مبرر لرفع الأسعار كون رمضان يعتبر من أكثر الأوقات مبيعاً.
بورصة صحن الفتوش
بحسب جداول وزارة الزراعة لمتوسط الأسعار خلال الأسبوع الرابع من كانون الثاني 2026، سجّلت أسعار التجزئة للمكوّنات الأساسية للفتوش، الصنف الأكثر حضوراً على مائدة رمضان، المستويات الآتية (جودة وسط): بندورة محلية نحو 110 آلاف ليرة لبنانية للكيلوغرام، خيار 155 ألف ليرة، وفليفلة خضراء حلوة 171 ألف ليرة. أمّا الخضار الورقية والأعشاب، والمسعّرة بالباقة، فجاءت الأسعار بحدود 25 ألف ليرة للبقدونس، 30 ألفاً للنعنع، 29 ألفاً للفجل، 57 ألفاً للخس، و62 ألفاً للبصل الأخضر. وعلى مستوى اللحوم والدواجن بالتجزئة، بلغ سعر الفروج المذبوح 287 ألف ليرة للكيلوغرام، فيما وصل لحم البقر الطازج إلى نحو مليون و150 ألف ليرة. فهل ستتبدّل هذه الأرقام مع بدء شهر رمضان في مشهد أقرب إلى إدارة «بورصة صحن الفتوش»؟
زينب بزي - الاخبار